03 04 2026

تأملات في زوايا حرب رمضان المفروضة

«إيران» محور الإجماع والاتحاد للإيرانيين (١)

تعد التعددية اللغوية والثقافية والعرقية والدينية واحدة من أبرز سمات المجتمع الإيراني التي امتدت عبر تاريخ هذه الأرض المقدسة. وفي العصر الحديث، ازداد هذا التنوع ثراءً بظهور تيارات فكرية وسياسية متعددة، بل ومتعارضة أحياناً. وإلى جانب هذا المستوى من التعدد، برزت سمة أخرى للإيرانيين، وهي التسامح والتعايش التاريخي السلمي، وتبلور هوية مستقلة باسم "إيران والإيراني". إن التشابك الثقافي للمجتمع الإيراني قد رسخ أسس القومية الإيرانية وثبت أركانها بحيث ظلت صامدة أمام كافة العواصف العاتية التي واجهتها عبر تاريخها الطويل. لقد استوعبت إيران الغزاة والمحتلين الأجانب مراراً، ثم انبعثت مجدداً من رماد التاريخ كطائر الفينيق. كانت «إيران» المظلة الجامعة لكافة ساكنيها، وكانت "الإيرانية" الهوية المشتركة لجميع مكوناتها المتنوعة. فـ «إيران» بالنسبة للإيرانيين هي سردية الجغرافيا والتاريخ المشترك الممتد لآلاف السنين. إن إيران الواقعية والمنشودة هي مزيج من كافة أبنائها، بكل خصائصهم ولغاتهم ولهجاتهم وثقافاتهم. تتمتع إيران باستمرارية وتواصل تاريخي؛ وقد أثبتت المحاولات النادرة وغير المبررة لتجاهل أجزاء من الهوية التاريخية لهذه الأمة أنها مجرد "دق للماء في الهون" ومحكوم عليها بالفشل. لقد حاول عهد البهلوي الأول وجهازه الفكري، عن غير دراية، تعريف بناء الأمة الحديثة على أنه مرادف للتماثل والقضاء على الاختلافات اللغوية والثقافية، وسعى لمحاولات فاشلة في هذا الصدد، رغم الجروح التي خلفها على هذا الجسد العريق. وفي جانب آخر، بذل عهدا البهلوي الأول والثاني جهوداً واسعة للتركيز على تاريخ إيران ما قبل الإسلام وتدمير أو على الأقل تهميش خصائص الفترة التي تلت دخول الإسلام إلى إيران. وقد ألف الأستاذ الشهيد مرتضى مطهري كتابه الشهير «الخدمات المتبادلة بين الإسلام وإيران» رداً على هذا التوجه الهدام ومحاولةً لإبطال هذه الثنائية التاريخية. وتشهد صفحات التاريخ قاطبةً على اهتمام الإيرانيين بالحفاظ على هويتهم ومكتسباتهم الثقافية. كما يشهد التاريخ أن الإيرانيين، كلما تعرضت وحدة أراضيهم وكيانهم للتهديد، أصبحوا أكثر تلاحماً واتحاداً في الدفاع عن تراب الوطن، ولم يبخلوا بأي تضحية في هذا السبيل.

في الشهور التي سبقت العدوان الوحشي لترامب والكيان الإسرائيلي القاتل للأطفال ضد بلادنا، كنت ضمن مجموعة تدرس أسباب وأبعاد الاستياء الاجتماعي. وفي كافة الاستطلاعات والدراسات التي أجرتها مؤسسات مستقلة وغير حكومية، ووكالات أنباء وأجهزة سيادية، تبين أن العامل الأول المحقق للوحدة والانسجام الوطني، وبفارق كبير عن بقية العوامل، هو موضوع «إيران» وبقاؤها. وفي أيام الحرب هذه، نشهد تبلوراً جديداً للشغف العميق بالدفاع عن إيران بين مختلف طبقات المجتمع الإيراني بتوجهاتها المتباينة. إن ما حفظ إيران اليوم أمام قوتين نوويتين عالميتين وعجز المحافل الدولية عن كبح جماح القوى المعتدية، هو التقارب والدوافع الاستثنائية لشرائح الشعب الإيراني، ولا سيما القوات المسلحة وحماة الوطن، وهو ما يمكن تسميته بـ «الدفاع الوطني». ونقطة جديرة بالاهتمام في هذا الدفاع الوطني هي انعدام التناقض والتعارض بين المشاعر الدينية والعواطف الوطنية والدفاع عن أرض الوطن. واليوم، تتمازج المضامين الدينية والمفاهيم والأساطير التاريخية والوطنية بجمال في الأشعار والملاحم، وتُقدم للأرواح الإيرانية الظامئة. في هذه الحرب، ومن أجل مواجهة المعتدين الذين لم يلتزموا بأي معايير قانونية أو أخلاقية ولم يتوانوا عن ارتكاب أي جريمة وحشية بحق المواطنين الإيرانيين من أطفال ونساء ومدنيين، ومن أجل الحفاظ على إيران ومقدراتها المادية والمعنوية، بُذلت دماء طاهرة وأنفس عزيزة: من الأم الحامل وجنينها إلى الطفل ذي الأيام الثلاثة، وأطفال مدرسة ميناب الأبرياء، والمواطنين العاديين، وطاقم السفينة "دنا" البواسل، والمقاتلين في القواعد والثكنات، وصولاً إلى القادة العسكريين والمسؤولين السياسيين والأمنيين رفيعي المستوى، وأعلى سلطة سياسية ودينية في البلاد. آمل أن تحتضن الأمة الإيرانية العظيمة النصر قريباً، لتبدأ بعدها في تضميد الجراح ومعالجة الأضرار.

بهرام نصر اللهي زاده
عضو هيئة التدريس بجامعة كردستان