مذكرة تفسيرية: دور إيران الحضاري في الانتقال من العصر الحجري إلى العصر الراهن
تشير الأدلة التاريخية الدامغة إلى أن أولى المؤسسات الأكاديمية الشاملة في العالم، مثل مجمع "جنديسابور"، قد تأسست وطُورت في إيران القديمة منذ أكثر من ١٥٠٠ عام، ضمن تاريخ حضاري يمتد لـ ١٢ ألف عام، حيث لعبت دوراً جوهرياً في إرساء دعائم المؤسسات العلمية. وقد أتاح هذا السياق الحضاري لإيران، لقرون متطاولة، أن تكون جسراً يربط بين مختلف الحضارات، وبوصفها المركز الرئيسي لإنتاج وترجمة وتوزيع العلم والمعرفة بشكل منهجي على مستوى العالم.
واليوم، في عصر ثورة المعلومات، يتجسد الميراث العلمي العالمي في صورة بنى تحتية تكنولوجية معقدة، وشبكات اتصال، ومراكز متقدمة للبحث والتطوير. إن مثل هذه الإنجازات العلمية والمعدات التقنية لا تُعد مجرد ملكية لدولة واحدة أو محصورة داخل حدود جغرافية معينة، بل هي جزء لا يتجزأ من الميراث المشترك للمجتمع الدولي. وللأسف، في ظل النزاعات والأزمات الأمنية، تتعرض هذه الأنظمة البيئية الحساسة والشبكات الحيوية بشدة لمخاطر الضعف والدمار. ويتجلى هذا الأمر بوضوح لا سيما في العدوان الأخير الذي شنه أعداء هذه الأرض ضد سيادة بلادنا. وبناءً على المبادئ الأساسية لأخلاقيات العلم والقوانين الدولية، يجب قبول الحفاظ على أمن البنى التحتية الأكاديمية والتكنولوجية ومراكز البحوث، خاصة في مجال الصحة والمختبرات المتخصصة، كخط أحمر لا يمكن تجاوزه في أي صراع، ويجب اعتبار المساس بها مساساً بالعقل الجمعي للبشرية. إن تدمير هذه المراكز لا يؤدي فقط إلى وقف مسار التنمية المستدامة في بلد ما، بل يؤثر بشكل مباشر وسلبي على سرعة النمو التكنولوجي على الصعيد الدولي. وبالإضافة إلى البنى التحتية المادية، فإن الحفاظ على أرواح وسلامة الباحثين والعلماء والنخب العلمية وأمنهم النفسي يحظى بأهمية قصوى في أوقات الأزمات. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى لصياغة معاهدة وإجماع عالمي لمنح حصانة مطلقة للبنى التحتية البحثية والجامعية؛ ففي ظل هذه الحصانة فقط يمكن ضمان استمرارية الابتكارات التكنولوجية لمواجهة التحديات المعقدة للمستقبل.
من المسلم به عموماً أن الاحترام العملي لقدسية العلم ومؤسسات التكنولوجيا هو معيار لقياس التحضر، ولا يُقبل أي تبرير للاعتداء على هذه الأركان الأساسية. ولكن للأسف، يشهد المجتمع العالمي اليوم أن قادة فاسدين وقتلة للأطفال مثل نتنياهو وترامب لا يفتقرون فقط إلى هذه المعايير الحضارية وقد تجاوزوا هذه الخطوط الحمراء، بل يفتخرون أيضاً بفعل ذلك؛ غافلين عن أن القدرات الحضارية الراسخة لهذه الأرض، المشهورة باسم إيران المقدس، عظيمة لدرجة أنها بعد الفتح العربي تحولت إلى مركز ثقل للعلم والحضارة الإسلامية، بل وجعلت الغزاة يندمون على فعلتهم، لدرجة أن "أولجايتو خان" المغولي، بعد نهبه لإيران وإدراكه لعظمة هذه الحضارة، غيّر مسلكه الروحي واختار لنفسه اسم "محمد خدابنده" (عبد الله). بلا شك، لعبت الثقافة والحضارة الإيرانية دوراً رئيساً في الانتقال من العصر الحجري إلى التطور الحضاري المعاصر للمجتمعات والبشرية جمعاء. لذا، فإن التهديد بإعادة شعب إيران المتحضر إلى العصر الحجري لا يمكن إلا أن يكون نتاج عقول وأنظمة فاسدة حُبست في الدائرة الضيقة والمنحلة لأفكارها، ولم تدرك الجوهر الحضاري لهذا الشعب العظيم.
د. عادل سيوسهمرده
عضو هيئة التدريس و
رئيس جامعة كردستان
